ابن كثير
154
البداية والنهاية
واركب البريد إلى العراق ، وابدأ بأنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فارفع كتابي إليه وأبلغه مني السلام ، وقل له : يا أبا حمزة قد كتبت إلى الحجاج الملعون كتابا إذا قرأه كان أطوع لك من أمتك ، وكان كتاب عبد الملك إلى أنس بن مالك : بسم الله الرحمن الرحيم ! من عبد الملك بن مروان إلى أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت من شكايتك الحجاج ، وما سلطته عليك ولا أمرته بالإساءة إليك ، فإن عاد لمثلها اكتب إلي بذلك أنزل به عقوبتي ، وتحسن لك معونتي . والسلام . فلما قرأ أنس كتاب أمير المؤمنين وأخبر برسالته قال : جزى الله أمير المؤمنين عني خيرا ، وعافاه وكفاه وكافأه بالجنة ، فهذا كان ظني به والرجاء منه . فقال إسماعيل بن عبيد الله لانس : يا أبا حمزة إن الحجاج عامل أمير المؤمنين ، وليس بك عنه غنى ، ولا بأهل بيتك ، ولو جعل لك في جامعة ثم دفع إليك ، فقاربه وداره تعش معه بخير وسلام . فقال أنس : أفعل إن شاء الله . ثم خرج إسماعيل من عند أنس فدخل على الحجاج ، فقال الحجاج : مرحبا برجل أحبه وكنت أحب لقاه ، فقال إسماعيل : أنا والله كنت أحب لقاءك في غير ما أتيتك به ، فتغير لون الحجاج وخاف وقال : ما أتيتني به ؟ قال : فارقت أمير المؤمنين وهو أشد الناس غضبا عليك ، ومنك بعدا ، قال : فاستوى الحجاج جالسا مرعوبا ، فرمى إليه إسماعيل بالطومار فجعل الحجاج ينظر فيه مرة ويعرق ، وينظر إلى إسماعيل أخرى ، فلما فضه قال : قم بنا إلى أبي حمزة نعتذر إليه ونترضاه ، فقال له إسماعيل : لا تعجل ! فقال : كيف لا أعجل وقد أتيتني بآبدة ؟ وكان في الطومار . بسم الله الرحمن الرحيم ، من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف ، أما بعد فإنك عبد طمت بك الأمور ، فسموت فيها وعدوت طورك ، وجاوزت قدرك ، وركبت داهية إدا ، وأردت أن تبدو لي فإن سوغتكها مضيت قدما ، وإن لم أسوغها رجعت القهقرى ، فلعنك الله من عبد أخفش العينين ، منقوص ( 1 ) الجاعرتين . أنسيت مكاسب آبائك بالطائف ، وحفرهم الآبار ، ونقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل ، يا بن المستفرية ( 2 ) بعجم الزبيب ، والله لأغمرنك غمر الليث الثعلب ، والصقر الأرنب . وثبت على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ، فلم تقبل له إحسانه ، ولم تتجاوز له عن إساءته ، جرأة منك على الرب عز وجل ، واستخفافا منك بالعهد ، والله لو أن اليهود والنصارى رأت رجلا خدم عزير بن عزرى ، وعيسى بن مريم ، لعظمته وشرفته وأكرمته وأحبته ، بل لو رأوا من خدم حمار العزير أو خدم حواري المسيح لعظموه وأكرموه ، فكيف وهذا أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين ( 3 ) ، يطلعه على سره ، ويشاوره في
--> ( 1 ) في العقد الفريد : ممسوح الجاعرتين أصك الرجلين . ( 2 ) في الاخبار الطوال ص 324 والعقد الفريد 3 / 14 : المستفرمة ، وقد تقدم شرحها . ( 3 ) في الاخبار الطوال : ست سنين . وتقدم في ترجمة أنس : ثماني سنين وقيل تسع وقيل عشر .